صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

204

تفسير القرآن الكريم

الشهوات والأغراض الدنياوية وانطفاء أنوار الحواس وفتور القوى على فقدان نور المعرفة وبرد اليقين في قلبه ، ومع ذلك مغرور من جهة أنه يظن إنه بأدنى اشتغال إلى التعلم وطلب استفاضة أنوار المعارف من حامليها من المعلّمين على الحقيقة يصير ذا علم ومعرفة ونور عقليّ ، فيتوجه نحو المؤمنين حقيقة والعلماء حقّا فيخاطبهم ويأمرهم بالتوجّه إليه والالتفات نحوه قائلا : انظرونا نقتبس من نوركم - ظنا منه ان ذلك منّة عليهم لأنه من جملة المعتبرين عند نفسه وعند بعض الحمقى الجاهلين . فالعلماء حقا لحسن إرشادهم وغاية إشفاقهم على أمثاله من الناقصين يهدونهم طريق السلوك إلى الحق ، ويرشدونهم إلى كيفية استفاضة المعارف قائلين : إن لكل مسألة من المسائل الإلهية والأسرار الناموسية مبادي ومقدمات لا يمكن التفطّن إلى تلك المسألة إلا بعد التفطّن بها ، سواء كان بحدس وحركة سريعة - كما هو طريقة الأنبياء والأولياء وذوي الأبصار - أو بفكر وحركة بطيئة - كما هو طريقة العلماء والنظّار واولي الاعتبار - وقبل الخوض في العقليات واستحصالها يجب الاشتغال بعلم اللغة ، والنحو ، والصرف ، وعلم الأخلاق ، وعلم الحلال والحرام ، ومن لم يحصّل شيئا منها على وجهه مع نيّة صادقة وإخلاص في العمل لا يمكنه الدخول في فقه الأسرار وعلم الأنوار ، لقوله تعالى : وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها [ 2 / 189 ] فقوله تعالى : قيل ارجعوا ورائكم فالتمسوا نورا - إشارة إلى هذا الحال . ومن هذا القبيل ما حكاه اللّه سبحانه عن حال الجاهلين المغرورين من أصحاب النار وامتناع استفاضتهم المعارف من المعلمين والرؤساء الذين هم من أصحاب الجنة بقوله سبحانه : وَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ أي من ماء المعارف الإلهية التي تكون بها الحياة الأخروية العقلية أو شيء من سائر العلوم العقلية التي رزقها اللّه للعلماء مزيدا لكمالهم وحالهم قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ * الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ [ 7 / 51 ] .